![]() |
| القوائم |
تحليل سياسي – القسم الانتخابي
مع اقتراب الفصل النهائي في ملفات الترشح لـ "تشريعيات 2 جويلية 2026" من طرف السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، تضع لغة الأرقام الجافة جميع التشكيلات السياسية أمام حجمها الحقيقي في الميدان، وفي قراءة تقنية للوثيقة الرسمية الصادرة عن المندوبية الوطنية للانتخابات، والتي تحوز "شرفة ميديا" على نسخة منها، تبدو الخارطة السياسية الجديدة المكونة من 69 ولاية بمثابة "مرحلة فرز حاسمة" عرت شعارات "الامتداد الوطني" التي طالما تسلحت بها الأحزاب التقليدية المحسوبة تاريخياً على صف المعارضة.
صدمة "الأرسيدي": السقوط الجغرافي خلف الأحزاب الجديدة
حسب الأرقام الموثقة في الخانة رقم 27 من الوثيقة، يعيش حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (RCD) ما يمكن وصفه بـ "الانكماش التنظيمي الأكبر" في تاريخه السياسي؛ حيث لم يتمكن الحزب من إيداع سوى 8 قوائم فقط داخل الوطن من أصل 69 ولاية كاملة، ما يعني تغطية جغرافية هزيلة لا تتعدى 11.5% من التراب الوطني.
المفارقة الصادمة للرأي العام تظهر عند مقارنة هذا الحزب التاريخي بأحزاب ناشئة أو أقل صخباً إعلامياً وتوصف أحياناً بـ "المجهرية":
حزب "جيل جديد" (الخانة 10) نجح في تجاوز الأرسيدي بإيداع 10 قوائم داخل الوطن.
حزب "جبهة الحكم الراشد" (الخانة 17) وحزب "طلائع الحريات" (الخانة 1) تفوقا عليه أيضاً بـ 9 قوائم لكل منهما.
هذا التراجع الرهيب يثبت أن صراعات الأجنحة الداخلية، وعزلة الخطاب السياسي عن الواقع التنظيمي، قد حوّلت الحزب من قاطرة وطنية إلى تنظيم محلي مجهري يعجز عن منافسة التشكيلات السياسية الجديدة في إقناع القواعد وإيداع الملفات.
"الآفافاس": حضور أوسع.. ولكن الاستعانة بـ "الخارج" مستمرة
على الجانب الآخر من معادلة المعارضة التقليدية، تقدم جبهة القوى الاشتراكية (FFS) في الخانة رقم 14 أرقاماً تبدو أفضل حالاً من غريمها التقليدي، بإيداع 22 قائمة داخل الوطن.
ورغم هذا التفوق العددي المحلّي، إلا أن القراءة العميقة لا تُعفي "الآفافاس" من أزمة الانتشار؛ فالترشح في 22 ولاية فقط يعني الغياب التام عن 68% من جغرافيا البلاد، والمثير للانتباه في الوثيقة هو نجاح الحزب في إيداع 5 قوائم كاملة خارج الوطن (الجالية)، وهو رقم ضخم يوضح أن القيادة الحالية باتت تراهن بكل ثقلها على وعاء الهجرة التاريخي لتغطية العجز التنظيمي والانكماش الحاصل في الولايات الداخلية، ومحاولة إنقاذ "البرستيج" الوطني للحزب.
"ازدواجية المبادئ" وعاصفة الصندوق
بعيداً عن الأرقام الإحصائية، تعيش هذه القوائم الـ 30 (بين الأرسيدي والآفافاس) امتحاناً أخلاقياً عسيراً أمام وعي الناخب في معاقلها التقليدية، فالشارع اليوم لم يعد يبني قناعاته على البيانات الرنانة وشعارات "الدفاع عن الحريات ومعتقلي الرأي" التي تُرفع في المواسم والمنابر الرقمية للاستهلاك الانتخابي، بل بات يرى "الانفصام السياسي" في أبهى صوره.
يتساءل المواطنون بكثير من الاستغراب: كيف يستقيم لحزب أن يرفع شعار "حرية التعبير والمؤازرة" وطنياً، بينما تتحرك مكاتبه ميدانياً لملاحقة منتخبين ولائيين قضائياً لأنهم امتلكوا شجاعة النزول للميدان وتوثيق الإهمال والتسيب التنموي بالصوت والصورة؟ وكيف يثق المواطن في "وجوه دستورية وأكاديمية" تتقدم اليوم لطلب الحصانة البرلمانية، بينما يتذكر الشباب كيف أدارت هذه الوجوه ظهرها لهم في أوقات محنهم ورفضت تقديم حتى نصيحة قانونية، في منطق نفعي يرى أن معاناة الناس لا تصلح إلا إذا تحولت إلى "مادة دسمة" للبرستيج الحزبي؟
إن تشريعيات 2 جويلية تُسقط رسمياً زمن "الشرعية الافتراضية"؛ فالأحزاب الكبرى (كالآفلان والأرندي وحمس والبناء) حققت التغطية شبه الكاملة عبر الـ 69 ولاية، بينما تتقوقع الأحزاب التقليدية في زوايا جغرافية ضيقة مثقلة بصراعاتها الداخلية وقضاياها المرفوعة ضد الأصوات الحرة.
لقد أصبح المواطن يملك ذاكرة حديدية، ويعرف جيداً من وقف معه في الميدان دون بهرج، ومن يرى في مشاكل التنمية ومعاناة المجتمع مجرد "سجل تجاري" ينتهي مفعوله بمجرد فتح صناديق الاقتراع ونيل الكرسي، والأكيد، أن الخارطة الرسمية للوثيقة هي أولى خطوات الغربلة الحقيقية التي سيكملها الناخب يوم الصندوق.
.jpg)
