![]() |
| الشيخ عبد الرحمان شيبان |
ڨاسي جيلالي -الشرفة
في الثاني عشر من رمضان، تستحضر الذاكرة الوطنية ذكرى رحيل الشيخ المجاهد عبد الرحمن شيبان، أحد أبرز أعلام الجزائر في الفكر والدعوة والإصلاح، خمسة عشر عامًا على وفاته، وما يزال اسمه حاضرًا في المجالس، ومآثره شاهدة على مسيرة رجل جمع بين العلم والجهاد، وبين التربية والموقف، فكان نموذجًا للعالم، العالم الذي لم ينفصل عن قضايا وطنه وأمته.
وُلد الشيخ عبد الرحمن شيبان سنة 1918 ببلدية الشرفة في ولاية البويرة، في بيئة ريفية محافظة تشبعت بالقيم الدينية والوطنية، هناك، في أحضان الطبيعة الجبلية الصلبة، تفتحت شخصيته على معاني الصبر والعزة والتمسك بالهوية، كانت الشرفة بالنسبة إليه أكثر من مسقط رأس؛ كانت الجذور الأولى التي غذّت روحه بحب الوطن والاعتزاز بالانتماء.
تلقى تعليمه الأول في الكتاتيب، حيث حفظ القرآن الكريم وتشرّب علوم اللغة والفقه، قبل أن يواصل مساره العلمي في إطار الحركة الإصلاحية التي قادها علماء الجزائر في النصف الأول من القرن العشرين، تأثر بفكر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وروادها، الذين جعلوا من التعليم والإصلاح الديني ركيزتين لمقاومة الاستعمار والحفاظ على الشخصية الوطنية.
ومع اندلاع الثورة التحريرية، لم يكن الشيخ شيبان بعيدًا عن روح المقاومة، إذ انخرط في دعم القضية الوطنية كلٌّ من موقعه، مؤمنًا بأن تحرير الأرض لا ينفصل عن تحرير العقول، وبعد الاستقلال، واصل رسالته في ميدان التربية والدعوة، متحمّلًا مسؤوليات علمية ودينية عديدة، إلى أن تولّى رئاسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حيث أعاد لها حضورها ودورها في الساحة الفكرية والدعوية.
تميّز الشيخ عبد الرحمن شيبان بخطاب متوازن، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويؤكد على الوسطية والاعتدال، كان يرى في الإسلام رسالة أخلاق وبناء، لا أداة صراع أو إقصاء، لذلك ركّز في دروسه ومواعظه على ترسيخ القيم: الصدق، الأمانة، الإخلاص، والعمل الصالح. وكان قريبًا من الناس، بسيطًا في تعامله، ثابتًا في مواقفه، لا يطلب شهرة ولا يسعى إلى جاه.
ولم يكن حضوره مقتصرًا على المنابر، بل كان مربّي أجيال، ترك أثرًا عميقًا في طلابه ومحبيه، كثيرون ممن عرفوه يشهدون له بالحكمة ورجاحة العقل وسعة الصدر، وبقدرته على الإصغاء قبل الإفتاء، وعلى الجمع بين الحزم والرحمة، كان يعتبر الكلمة أمانة، ويرى أن العالم مسؤول عن توجيه المجتمع نحو الخير، بعيدًا عن الغلو والتفريط.
رحل الشيخ عبد الرحمن شيبان في الثاني عشر من رمضان سنة 2011، فشيّعته الجزائر في مشهد مهيب، تقديرًا لما قدّمه من خدمة للدين والوطن، غير أن الرحيل الجسدي لم يطفئ حضوره في القلوب، إذ بقيت ذكراه حيّة في الدعاء، وفي المؤسسات التي خدمها، وفي القيم التي غرسها في نفوس من تتلمذوا على يديه.
إن الحديث عن الشيخ عبد الرحمن شيبان هو حديث عن جيل من العلماء الذين حملوا مشعل الإصلاح في أحلك الظروف، فصانوا الهوية، وربّوا الأجيال، وربطوا بين الدين والوطن في انسجام عميق، وبالنسبة لبلدية الشرفة، يظل اسمه مصدر فخر واعتزاز، فهو أحد أبنائها البررة الذين رفعوا اسمها عاليًا في سماء الجزائر.
في ذكرى رحيله، لا نملك إلا أن نستحضر سيرته العطرة، وأن نجدد العهد على التمسك بالقيم التي نادى بها، وأن ندعو له بالرحمة والمغفرة، فرحم الله الشيخ المجاهد المربي عبد الرحمن شيبان، وجزاه عن الجزائر خير الجزاء، وجعل ذكراه نبراسًا يهتدي به كل من يسعى إلى الإصلاح والبناء.
.jpg)
