شرفة ميديا
عندما ننظر إلى مسار إيران خلال العقدين الماضيين، يظهر أن أكبر تهديد واجهته لم يكن خارجيًا بقدر ما كان داخليًا، فالدولة التي وسّعت نفوذها في العراق وسوريا ولبنان واليمن، أهملت في المقابل بناء تماسكها الداخلي وتعزيز شرعية نظامها داخل المجتمع الإيراني نفسه.
بعد سنة 2003، امتلكت طهران فرصة تاريخية نادرة لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي، الفراغ السياسي في العراق، ضعف الدولة السورية، الانقسام اللبناني، والانهيار اليمني؛ كلها كانت أوراق قوة استراتيجية يمكن تحويلها إلى نفوذ مستقر طويل الأمد، غير أن المقاربة التي اعتمدتها لم تُبنَ على تحالفات دول أو مصالح مشتركة، بل على شبكات عقائدية مرتبطة بالهوية المذهبية.
وهنا يكمن الخطأ الجيوسياسي الأساسي: النفوذ القائم على الأيديولوجيا أكثر هشاشة من النفوذ القائم على المؤسسات والمصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، فالحلفاء الحقيقيون يُبنون عبر التنمية والاستقرار، لا عبر الميليشيات والولاءات العقائدية.
في الداخل الإيراني، تزامن التوسع الخارجي مع تصاعد الاحتقان الشعبي، بينما استثمرت دول صاعدة مثل الصين وكوريا الجنوبية في الإنسان باعتباره رأس المال الاستراتيجي الأول، دخلت إيران في صراع دائم مع جزء واسع من مجتمعها، ما أضعف الجبهة الداخلية التي تُعدّ أساس أي قوة إقليمية.
النتيجة أن صورة “القوة الصلبة” لم تعد متماسكة كما كانت تُقدَّم، فالقوة العسكرية وحدها لا تكفي عندما يغيب الإجماع الداخلي، ويتراجع الدعم الدولي، وتصبح الدولة مكشوفة سياسيًا واقتصاديًا.
لهذا يمكن القول إن أزمة إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل أزمة نموذج سياسي واستراتيجي: توسع خارجي أسرع من قدرة الدولة على تثبيت استقرارها الداخلي.
في الجغرافيا السياسية، الدول لا تنهزم فقط عندما تخسر حربًا… بل عندما تفقد التوازن بين الداخل والخارج.
.jpg)
