شرفة ميديا/المصدر الاستاذ نذير بطاطاش
تُعدّ ثورة سنة 1856 إحدى المحطات النضالية المهمة في تاريخ المقاومة الشعبية الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، وقد قادها المجاهد سي محمد بن عبد الرحمان، المعروف محليًا باسم سي محند أومحند، المنتمي إلى عائلة آث سي دحمان (حمداش) من قرية تاوريرت بعرش آث منصور، جاءت هذه الثورة في سياق تاريخي اتسم بتصاعد القمع الاستعماري عقب استشهاد الشريف بوبغلة سنة 1854، حيث لم تُخمَد جذوة المقاومة، بل انتقلت رايتها إلى قادة محليين آمنوا باستمرار الكفاح المسلح ضد الوجود الفرنسي.
بعد استشهاد الشريف بوبغلة يوم 26 ديسمبر 1854 في بني مليكش، في جريمة بشعة تمثلت في قطع رأسه ونقله لاحقًا إلى برج بني منصور ثم إلى فرنسا، برز سي محند أومحند كأحد القادة الذين واصلوا العمل الثوري في منطقة آث منصور ومحيطها، وقد التف حوله عدد من المتمردين وزعماء ثاجمعث، من بينهم قاسي بن يوسف من عائلة دعو، وقرروا مواصلة الجهاد تحت راية الحاج أعمر، أحد قادة المقاومة الناشطين في منطقة ذراع الميزان، في محاولة لإعادة تنظيم الصفوف ومواجهة التغلغل الاستعماري.
شرع سي محند في استقطاب السكان المحليين، وعقد اجتماعًا مع زعماء ثاجمعث بني منصور وبعض المقاومين من مشداللة والشرفة، حيث أقسم أمامهم على الاستمرار في مقاومة الاحتلال مهما كانت التضحيات، وفي 15 سبتمبر 1856، حاول الثوار الاستيلاء على قافلة فرنسية كانت تنقل بضائع إلى بني عباس، مستغلين خروج حراس برج بني منصور لجلب الحطب، غير أن العملية فشلت بسبب تدخل قوات المخزن الموالية للفرنسيين، والتي أسرت اثنين من المقاومين، أدى اعتقال أحدهما إلى كشف معلومات حساسة عن التنظيم الثوري، ما أدى إلى افتضاح أمر الثورة في بداياتها.
وأمام هذا الوضع، اضطر سي محند ورفاقه إلى الفرار نحو قرية الشرفة ليلة 16 إلى 17 سبتمبر 1856، حيث استقبلهم سكانها بحفاوة ورفضوا تسليمهم للسلطات الاستعمارية رغم التهديدات الصريحة، غير أن القايد سي السعيد نلحاج، زعيم الشرفة، حاول إقناع المقاومين بالاستسلام تفاديًا للعقاب الجماعي، إلا أنهم رفضوا ذلك وفضلوا الاختباء في قرية سلوم، وهو ما دفع القوات الفرنسية إلى مصادرة أغنامهم ومحاصيلهم في محاولة للضغط عليهم.
وأمام استمرار التحدي، قررت السلطات الاستعمارية الفرنسية معاقبة قرية الشرفة بسبب دعمها الواضح للمقاومة، ففي رسالة مؤرخة يوم 23 سبتمبر 1856، وجّهها الملازم أدلار إلى قائده الكولونيل دارجون، كشف عن خطة لتدمير القرية، مشيرًا إلى حالة التوتر الشديد التي كانت تسود بني منصور وسلوم، واحتمال وصول دعم للمقاومين من منطقة زواوة، وفي 30 سبتمبر 1856، شنّت القوات الفرنسية هجومًا منسقًا على قرية الشرفة، بمشاركة كتيبة الرماة بقيادة الكوماندو وولف، والكتيبة الثانية بقيادة الكابتن تريملات، إلى جانب وحدات أخرى هاجمت القرية من الجهات الشرقية والغربية في وقت واحد.
ورغم المقاومة الشرسة التي أبداها الأهالي والمجاهدون، فإن التفوق العددي والتسليحي للقوات الفرنسية أجبرهم على الانسحاب نحو سلوم، ومع بزوغ الفجر، كانت قرية الشرفة قد تحولت إلى رماد، وتصاعدت ألسنة اللهب من أنقاضها في مشهد جسّد واحدة من أبشع سياسات العقاب الجماعي التي انتهجها الاستعمار الفرنسي بحق المدنيين العزّل، في محاولة لبث الرعب وكسر روح التضامن مع المقاومة.
أسفر قمع ثورة 1856 عن نتائج مأساوية، أبرزها اعتقال سي محمد بن عبد الرحمان وإعدامه لاحقًا، إضافة إلى اغتيال الشيخ قاسي بن يوسف في ثاقربوست بعد وشاية من بعض عملاء الاحتلال، كما صادرت السلطات الاستعمارية 18 هكتارًا من الأراضي و480 شجرة زيتون من سكان بني منصور، وفرضت غرامة مالية قدرها 9000 فرنك فرنسي يوم 20 فبراير 1857، قبل أن يُلغى قرار المصادرة لاحقًا بأمر من الإمبراطور الفرنسي في 14 ديسمبر من السنة نفسها، غير أن هذه الإجراءات لم تكن سوى حلقة في سلسلة طويلة من سياسات القمع، التي بلغت ذروتها بعد ثورة 1871، حين صودرت معظم أراضي آث منصور المطلة على السفح الجنوبي لجبال جرجرة.
نُقلت جثة سي محند أومحند إلى آث منصور ودُفنت سرًا بين الأشجار في المكان المعروف بسيدي أعلي بوناب، قبل أن يتحول لاحقًا إلى مقبرة لعائلة حمداش بعد مرور خط السكة الحديدية وتدمير قبة سيدي دحمان القديمة، ليصبح الموقع اليوم مقبرة سيدي عبد الرحمان بأمزافال، حيث بُنيت غرفة صغيرة أمام قبره. وللمفارقة التاريخية، احتضن المكان نفسه بعد أقل من عشرين سنة جثة الشيخ المقراني، التي أخفتها عائلة حمداش لمدة ليلتين أثناء نقلها من واد سوفلات إلى قلعة بني عباس سنة 1871 مرورًا بآث منصور.
وتبقى ثورة 1856 بقيادة سي محمد بن عبد الرحمان شاهدًا حيًا على استمرارية روح المقاومة في الجزائر، إذ أثبتت أن الحرق والإعدام والمصادرة لم تنجح في إخماد إرادة الشعب، فمن رماد قرية الشرفة، ظل فتيل الحرية مشتعلًا، متوارثًا عبر الأجيال، إلى أن انفجر في ثورة التحرير الكبرى سنة 1954، محققًا حلم الاستقلال والكرامة.
المصادر:
أرشيف ما وراء البحار (1890) – الجريدة الإفريقية (1904) – صالح سي يوسف، ثورة الشريف بوبغلة
.jpg)
