شرفة ميديا
في السنوات الأخيرة، برزت على مواقع التواصل الاجتماعي صفحات ومجموعات تحمل أسماء مناطق وأحياء وبلديات، وتقدّم نفسها كمنابر لنقل انشغالات السكان والدفاع عن مصالحهم، من حيث المبدأ، تبدو هذه المبادرات إيجابية، لأنها تعكس وعياً مجتمعياً ورغبة في المشاركة في الشأن العام، خاصة في ظل الحاجة إلى فضاءات تعبّر عن هموم المواطنين اليومية وتقرّب صوتهم من الجهات المعنية.
ليس كل من حمل اسم المنطقة يمثلها، فالمعيار ليس الاسم، بل الثبات على المبدأ حين يكون الموقف مكلفاً.
غير أن الممارسة تكشف أحياناً عن مفارقات تستحق التأمل بهدوء، فبعض الصفحات تنشط بقوة عند طرح قضايا عامة أو ملفات تخص أطرافاً بعيدة عن محيط القائمين عليها، لكنها تميل إلى الصمت أو التخفيف حين يكون الموضوع مرتبطاً بأشخاص مقربين منهم أو بدائرة معارفهم، هنا لا يتعلق الأمر بإطلاق أحكام، بل بقراءة سلوك متكرر يطرح تساؤلاً حول مفهوم الحياد والتمثيل.
المنطقة أكبر من أي صفحة، وأوسع من أي مجموعة… وما يجمع الناس هو العدل في الكلمة قبل عدد المتابعين.
فحين تحمل الصفحة اسم منطقة كاملة، فإنها توحي ضمنياً بأنها تعبّر عن رأي جماعي، بينما القرار في النشر أو التجاهل يبقى في يد فرد أو مجموعة محدودة، ومع أن الفضاء الرقمي مفتوح للجميع، إلا أن استعمال اسم منطقة يمنح الصفحة صفة معنوية تتجاوز الطابع الشخصي، ما يجعل المسؤولية الأخلاقية أكبر.
الكلمة مسؤولية، وحمل اسم منطقة أمانة… والأمانة لا تتجزأ حسب القرب أو البعد.
ولا يقتصر الأمر على الصفحات، بل يمتد إلى المجموعات المحلية، خاصة تلك التي تعتمد نظام الموافقة المسبقة على المنشورات، فالإشراف في حد ذاته آلية تنظيمية مشروعة تهدف إلى تجنب الفوضى والمحتوى غير اللائق، غير أن الإشكال يظهر حين تتحول صلاحية القبول أو الرفض إلى قرار انتقائي غير معلل، عندها يصبح تدفق المعلومة خاضعاً لرؤية شخصية، وقد يُشعر بعض الأعضاء بأن مساحة النقاش لا تعكس جميع الآراء بنفس الدرجة من الإنصاف.
المصداقية لا تُبنى بالصوت المرتفع، بل بالاتساق حين تتقاطع المبادئ مع المصالح.
المسألة إذن لا تتعلق بوجود صفحات أو مجموعات باسم المناطق، ولا بكونها مبادرات فردية، بل بمعايير العمل داخلها، فالعدالة في تناول القضايا، والوضوح في الخط التحريري، والشفافية في آليات النشر، هي عناصر تمنح المصداقية وتحصّن الثقة داخل المجتمع المحلي.
الاختبار الحقيقي لأي منبر محلي ليس في عدد المنشورات، بل في قدرته على قول الكلمة نفسها… مهما تغيّر الأشخاص.
إن المجتمعات الصغيرة تقوم على التوازن الدقيق بين العلاقات الاجتماعية وحق الجمهور في المعلومة، وأي اختلال في هذا التوازن – حتى لو كان بدافع المجاملة أو تجنب الإحراج – قد يضعف الثقة تدريجياً، ومن حق السكان أن يعرفوا إن كانت هذه الفضاءات تعبّر عن رأي أصحابها فقط، أم عن توجه جماعي مبني على معايير ثابتة.
حين تصبح الكلمة معياراً واحداً للجميع، تكبر المنطقة في عيون أبنائها قبل أن تكبر في الفضاء الرقمي.
تبقى المبادرات الإعلامية المحلية قيمة مضافة حين تلتزم بروح الإنصاف والاتساق، فالدفاع عن المنطقة لا يُقاس بحدة الخطاب ولا بكثرة المنشورات، بل بثبات المبدأ، خاصة عندما يكون الاختبار في القضايا القريبة والحساسة.
في زمن صار فيه النشر سهلاً، تبقى المصداقية أصعب امتحان… والإنصاف هو الفيصل الحقيقي بين الصوت الحر والصدى العابر.
إن ظاهرة الصفحات والمجموعات المحلية على مواقع التواصل الاجتماعي، التي تحمل أسماء مناطق وأحياء، تمثل فرصة لإبراز صوت السكان ونقل همومهم، لكنها في الوقت نفسه تطرح تحديات حقيقية على صعيد المصداقية والشفافية.
الانحياز الانتقائي في النشر، سواء في الصفحات أو المجموعات المقيدة، يضعف الثقة ويحوّل المنابر الرقمية من أدوات جماعية إلى فضاءات خاضعة لرؤية فردية، ومع ذلك، لا يمكن إنكار القيمة التي تضيفها هذه المبادرات عندما تُدار بمبدأ الحياد، والإنصاف، والوضوح في آليات النشر.
لذلك، تدعو هيئة التحرير جميع القائمين على هذه المنابر إلى احترام مسؤوليتهم تجاه المجتمع، والالتزام بالمعايير الأخلاقية في الطرح، لأن الدفاع عن المنطقة ليس شعاراً، بل أمانة تتطلب ثباتاً في المبدأ، وشفافية في الموقف، حتى عندما يكون الاختبار صعب.
.jpg)
