قاسي جيلالي
شهد تطبيق تيك توك في الآونة الأخيرة انتشار ظاهرة لافتة تتمثل في إعادة أداء أغانٍ قبائلية مشهورة لفنانين مشهورين ,امثال سليمان عازم ,معطوب الوناس, ايت منغلات و غيرهم باللغتين الفرنسية والإنجليزية، في محاولة لمواكبة الذوق العالمي وجذب جمهور أوسع خارج الإطار اللغوي والثقافي الأصلي لهذه الأعمال, هذه الموجة الجديدة أثارت جدلًا واسعًا بين من يراها فرصة للتعريف بالتراث القبائلي، ومن يعتبرها مساسًا بروح الأغنية وهويتها.
من جهة، يرى مؤيدو هذه الظاهرة أنها ساهمت في إخراج الأغنية القبائلية من نطاقها المحلي إلى فضاء عالمي، حيث أصبحت ألحانٌ عريقة تُتداول بين شباب من ثقافات مختلفة، ما يعكس قدرة الموسيقى القبائلية على العبور والتأثير, كما يعتبر البعض أن هذه الإعادات تمثل شكلاً من أشكال التحديث الذي يقرب الأجيال الجديدة من تراثها، خاصة في ظل تراجع استعمال اللغة الأمازيغية لدى فئات من الشباب داخل وخارج الوطن.
في المقابل، يعبّر معارضو هذه الموجة عن تخوفهم من تشويه المعاني الأصلية للأغاني، خاصة وأن العديد من الأعمال القبائلية تحمل رسائل عميقة مرتبطة بالهوية، والذاكرة الجماعية، والغربة، والنضال. ويشير هؤلاء إلى أن ترجمة الكلمات أو إعادة صياغتها بلغات أجنبية قد تُفرغ الأغنية من بعدها الرمزي، وتحولها إلى محتوى استهلاكي يخضع لمنطق “الترند” السريع بدل الحفاظ على قيمتها الفنية والتاريخية.
كما يطرح نقاش آخر يتعلق بمسألة احترام الملكية الفنية والإشارة إلى أصحاب الأعمال الأصليين، حيث تُنشر أحيانًا هذه النسخ دون توضيح مصادرها، ما يثير تساؤلات حول أخلاقيات إعادة توظيف التراث في الفضاء الرقمي.
بين هذا وذاك، تبقى الظاهرة انعكاسًا لتحولات عميقة يعرفها المشهد الثقافي في عصر المنصات الاجتماعية، حيث لم يعد التراث ثابتًا بل أصبح مادة قابلة لإعادة التفسير, غير أن التحدي الحقيقي يكمن في تحقيق التوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على روح وهوية الأغنية القبائلية، حتى لا يتحول التراث من ذاكرة حية إلى مجرد موجة عابرة.
.jpg)
