شرفة ميديا
تشهد أسواق الاستثمار في الصناعات الغذائية تحولًا واضحًا نحو مصانع تعبئة المياه المعدنية، بينما يتراجع اهتمام المستثمرين بالصناعات الغذائية الأخرى مثل اللحوم، الألبان، الفواكه، والخضروات الطازجة، يعود هذا التوجه في المقام الأول إلى الرغبة في تحقيق أرباح سريعة وهامش ربح مرتفع مع تكلفة إنتاج منخفضة نسبيًا، إذ أن المياه نفسها رخيصة نسبيًا، والتعبئة والتغليف يمكن التحكم فيهما بسهولة، في حين تتطلب الصناعات الغذائية الأخرى مواد خام مكلفة، وتخزينًا سريعًا لتجنب التلف، مع ضرورة الالتزام الصارم بالشهادات الصحية ومعايير الجودة، مصانع المياه المعدنية تستفيد من طلب ثابت ومستمر على المنتج، إذ يعتبر الماء سلعة أساسية يومية لا يمكن الاستغناء عنها، على عكس بعض المنتجات الغذائية الأخرى التي تتأثر بالمواسم أو التغيرات الاقتصادية، بالإضافة إلى ذلك، يسهل تخزين ونقل القوارير البلاستيكية أو الزجاجية لفترات طويلة دون الحاجة لتبريد مستمر، ويمكن توسيع الإنتاج أو تصديره بسهولة إلى أسواق جديدة، مما يجعلها فرصة استثمارية جذابة وقليلة المخاطر مقارنة بالصناعات الغذائية الأخرى المعقدة من ناحية اللوجستيك.
وفي الجزائر يضم هذا السوق أكثر من 24 علامة تجارية، معظمها يعتمد على المياه الجوفية، فيما يُعد مصنع لالة خديجة استثناءً فريدًا، إذ يستخدم مصدرًا طبيعيًا للمياه، ما يجعله أكثر استدامة بيئيًا مقارنة ببقية المصانع التي تعتمد على الآبار الجوفية، تختلف جودة هذه المياه أيضًا حسب نسبة الكلس الموجودة فيها، و حسب ما هو متداول تبدأ من أقل مستوى مثل النقب (تامسة) 48 ملغ/لتر، مرورًا بمصانع مثل بوقلاز 65 ملغ/لتر، يوكوس 109 ملغ/لتر، لالة خديجة 142 ملغ/لتر، قولية 157 ملغ/لتر، تاكسنة 165 ملغ/لتر، ميلق 185 ملغ/لتر، وصولًا إلى المصانع الأعلى كالكلس مثل أروى 436 ملغ/لتر، سعيدة 459 ملغ/لتر، نقاوس 520 ملغ/لتر، موزاية 560 ملغ/لتر، الصومام 590 ملغ/لتر. هذا التفاوت الكبير في نسبة الكلس يؤثر على الطعم، جودة الاستهلاك اليومي، وقد يشير إلى درجة معالجة المياه وملاءمتها للمستهلك.
ورغم المزايا الاقتصادية وسهولة التشغيل، يطرح الاستثمار في المياه المعدنية تحديات بيئية خطيرة، إذ يؤدي ضخ كميات كبيرة من المياه الجوفية إلى استنزاف الموارد الطبيعية، ويزيد من تلوث البلاستيك الناتج عن القوارير المستخدمة، هذا التوجه يعكس اهتمام المستثمرين بالربح قصير المدى على حساب الاستدامة البيئية والاجتماعية، وهو ما يثير تساؤلات حول مسؤولية القطاع الخاص تجاه الموارد الطبيعية، مع ذلك، تبقى مصانع المياه المعدنية خيارًا مربحًا اقتصاديًا، خاصة مع ارتفاع وعي المستهلكين الصحي ورغبتهم في مياه نظيفة ومعبأة، بينما تواجه الصناعات الغذائية الأخرى تحديات كبيرة تتطلب استثمارات أكبر وجهد تشغيل مستمر لتلبية المعايير الصحية وضمان جودة المنتج، الاختيار بين هذين المسارين الاستثماريين يجب أن يأخذ بعين الاعتبار ليس فقط المكاسب المالية، بل أيضًا التأثير طويل المدى على البيئة والمجتمع المحلي، ما يجعل النقاش حول استثمارات المياه المعدنية مقارنة بالصناعات الغذائية الأخرى مسألة محورية بين الربح والمسؤولية.
.jpg)
