![]() |
| النصب التذكاري المخلد للمعركة |
ڨاسي جيلالي -آث منصور
في أعالي جبال بلدية آث منصور، حيث تتشابك الصخور مع الغابات الكثيفة ويضيق الوادي حتى يكاد يحتضن السماء، وقعت واحدة من أعنف معارك الثورة الجزائرية سنة 1958، معركة أزرو بأذرار زڤان، التي ما تزال شاهدة على شجاعة رجال جيش التحرير الوطني في وجه آلة عسكرية استعمارية ضخمة.
سُطّرت يوم 18 فيفري 1958 واحدة من أعنف معارك الثورة التحريرية، معركة جمعت بين التخطيط العسكري الاستعماري واسع النطاق وصلابة مقاومة مجاهدي جيش التحرير الوطني، وانتهت بملحمة من التضحيات لا تزال حاضرة في ذاكرة المنطقة إلى اليوم.
هذه المعركة التي امتدت من الساعة الثامنة صباحًا إلى غاية الرابعة مساءً، خلّفت قرابة عشرين شهيدًا، عُرفت أسماء بعضهم مثل بن يمينة مولود، أوشان أحسن، دحماني سعيد، مومود محمد، وطاطاح محمد رشيد، فيما استشهد ثلاثة عشر مجاهدًا آخرين لم تُحدد هوياتهم وسُجلوا في سجلات الحالة المدنية لسنة 1958 ببلدية تاوريرت تحت الأرقام من 24 إلى 36.
وقد خُلّدت هذه المواجهة التاريخية لاحقًا ببناء مقام الشهيد بأذرار زقان سنة 1987، والذي دُشّن رسميًا في 20 أوت من السنة نفسها، ليبقى شاهدًا على واحدة من صفحات المجد في جبال البويرة.
العملية العسكرية وبداية الاشتباك
في ذلك الصباح من فيفري 1958، أطلقت القيادة العسكرية الاستعمارية عملية كبرى بعد وصول معلومات عن وجود ملاجئ ومخابئ للمجاهدين في وادي أزرو والمناطق الصخرية المحيطة به, شاركت في العملية كتيبة مكوّنة من ثلاث سرايا قوية، مدعومة بوحدة مدفعية تحمل رقم 50 RA، إضافة إلى وحدات استطلاع خاصة وحركى في مقدمة التقدم.
توقفت الشاحنات العسكرية عند مفترق طرق التل 323 بسبب وعورة التضاريس، واضطر الجنود للنزول ومواصلة التقدم مشيًا وسط حماية آليات الاستكشاف, ومع بلوغ الهضاب المحيطة بالوادي، رُصد تحرك للمجاهدين في أذرار زڤان، لتبدأ بعدها أولى المواجهات المسلحة.
الرصاصة الأولى التي أُطلقت من وادي أزرو فجّرت معركة مفتوحة, وردّ الجيش الفرنسي بقصف مكثف، بما في ذلك استعمال المدفعية وبندقية عديمة الارتداد، في محاولة لتطويق المجاهدين ومنعهم من الانسحاب نحو التلال الغربية.
الوادي يتحول إلى ساحة نار
مع تقدم القوات الاستعمارية داخل الوادي، واجهت مقاومة شرسة من المجاهدين المتحصنين بين الصخور والكهوف والغابات الكثيفة, ورغم التفوق العددي والتقني، اصطدمت الوحدات الفرنسية بمناورات ذكية اعتمدت على المعرفة الدقيقة بالتضاريس.
في حدود العاشرة والنصف صباحًا، حاولت بعض الوحدات التوغل أعمق في الوادي، قبل أن تتعرض لرشقات نارية متفرقة أربكت تقدمها, لاحقًا، نشبت اشتباكات عنيفة قرب الشلال الكبير، حيث استُشهد عدد من المجاهدين بعد قتال مباشر، فيما استمرت عمليات التمشيط داخل الكهوف التي كانت تُستعمل كملاجئ ومخازن مؤقتة.
واحدة من أكثر لحظات المعركة قسوة كانت حين حوصرت مجموعة من المجاهدين داخل الغابة وعلى المنحدرات الصخرية، حيث سقط خمسة شهداء في مواجهات مباشرة، بينما دُمّرت الملاجئ بالكامل في محاولة لحرمان الثوار من العودة إليها.
خسائر مخفية وانسحاب تحت النار
في حدود الثانية والنصف بعد الزوال، أُجبرت مجموعات كبيرة من المجاهدين على الانسحاب شمالًا عبر واد ثسمسيلين بعد قتال طويل. ورغم إعلان القيادة الفرنسية عن “نجاح العملية”، إلا أنها رفضت الإفصاح عن خسائرها البشرية.
شهادات المجاهدين والسكان المحليين تؤكد سقوط عشرات الجنود الفرنسيين، جرى التكتم عليهم تفاديًا لتأثير ذلك على معنويات الجيش، وهو أسلوب كان متكررًا في تلك المرحلة من الحرب.
كما كشفت التحقيقات الفرنسية لاحقًا أن العملية صادفت اجتماعًا ميدانيًا مهمًا لمسؤولين إقليميين في صفوف الثورة، ما يفسّر الحجم الكبير للقوات المستعملة وشراسة القتال.
قصة يوم تحوّل فيه الوادي إلى ملحمة
كان صباح أزرو هادئًا…
الضباب ينسحب ببطء عن الجبال، وصوت الريح يمرّ بين الأشجار كأن الطبيعة تحبس أنفاسها.
ثم دوّى الرصاص.
اهتزّ الوادي كله، وتحولت السكينة إلى جحيم, المجاهدون خرجوا من بين الصخور كالأشباح، يضربون ثم يختفون، يعرفون كل مسلك وكل مخبأ.
المدفعية تشق الجبال، والدخان يغطي السماء، لكن الثوار لم يتراجعوا, في إحدى الزوايا الصخرية، قاتل مجاهد حتى آخر رصاصة، وحين سقط شهيدًا، بقي جسده شاهدًا على معنى التضحية.
ساعات طويلة من النار والدم…
حتى مالت الشمس نحو الغروب، وكان الوادي قد ارتوى بدماء الشهداء، بينما فشل العدو في كسر إرادة الجبل.
ذلك اليوم لم يكن مجرد معركة، بل رسالة خالدة:
أن الحرية تُنتزع مهما كان الثمن.
.jpg)
