شرفة ميديا
أبو الفضل محمد بن محمد المشدالي البجائي هو أحد أبرز أعلام القرن التاسع الهجري في المغرب الأوسط، ومن الشخصيات العلمية التي تجسّد عمق الإسهام الذي قدمته المناطق الجبلية الزواوية في بناء المعرفة الإسلامية، نسبته “المشدالي” ليست مجرد لقب، بل إحالة جغرافية وتاريخية واضحة إلى إقليم مشداللة، الذي تمثل أمشداللة الحالية قلبه، قبل أن تعاد صياغة المجال إداريًا في العصور الحديثة.
وُلد أبو الفضل في بيئة علمية داخل مشداللة، وسط أسرة اشتهرت بالفقه والتقوى، كان والده وجده من العلماء المعروفين، وهو ما جعل طلب العلم جزءًا من البنية الاجتماعية للمنطقة، لا نشاطًا معزولًا، في هذه البيئة، تشكّلت شخصيته الأولى، حفظ القرآن، تلقّى مبادئ الفقه المالكي، وتشرّب قيم الزهد والانضباط العلمي التي ميّزت علماء زواوة.
مع نضجه العلمي، انتقل إلى بجاية، التي كانت آنذاك واحدة من أعظم الحواضر العلمية في المغرب الإسلامي، ولم تكن هذه الهجرة العلمية خروجًا من الهامش إلى المركز، بل انتقالًا داخل المجال الحضاري نفسه، إذ كانت مشدالة وبجاية مرتبطتين تاريخيًا وبشريًا، في بجاية، درس على كبار العلماء، وتعمّق في الفقه المالكي، الحديث، اللغة، وعلوم الآلة، حتى برز اسمه ضمن طبقة العلماء المدرّسين.
غير أن أبا الفضل لم يكتفِ بالتكوين المحلي والمغاربي، بل سار على نهج كبار العلماء في الرحلة في طلب العلم، وتشير كتب التراجم إلى أنه رحل إلى المشرق، وتُذكر مصر، وبالأخص القاهرة، ضمن محطات رحلته، في القرن التاسع الهجري، كانت القاهرة مركزًا علميًا عالميًا، يجتمع فيه علماء المذاهب، وخاصة المالكية، إضافة إلى علوم الحديث والتفسير، ورغم أن المصادر لا تفصّل أسماء شيوخه في مصر، إلا أن ذكر الرحلة في حد ذاته يحمل دلالة قوية على سعة أفقه وانخراطه في الشبكة العلمية الإسلامية الممتدة من المغرب إلى المشرق.
بعد رحلاته العلمية، عُرف أبو الفضل بكونه عالمًا موسوعيًا، مدرسًا، ومربيًا، لم يكن رجل سلطة ولا طالب جاه، بل اختار مسار التعليم والإفتاء ونقل المعرفة، عُرف بالزهد، التواضع، والالتزام، وهي صفات لازمت كثيرًا من علماء زواوة، حيث كان العالم يُنظر إليه بوصفه حارسًا للقيم والمعرفة، لا أداة للحكم.
اشتغل أبو الفضل بالتدريس، وتأطير الطلبة، وكان له تلامذة حملوا علمه إلى مناطق متعددة، ورغم أن كثيرًا من مؤلفاته لم يصلنا، إلا أن حضوره في كتب التراجم، وإجماع المؤرخين على علمه ومكانته، دليل على تأثيره الواسع، ويكفي أن يُذكر اسمه مقرونًا بلقبي “المشدالي” و“البجائي” لفهم موقعه، أصلٌ جبلي زواوي، وتأثير حضري مغاربي، وامتداد مشرقي.
أهمية أبي الفضل المشدالي تتجاوز شخصه، إذ يمثل شاهدًا تاريخيًا على حقيقة غالبًا ما يتم تجاهلها، أن المناطق التي تُعدّ اليوم “ريفية” أو “هامشية” كانت في الماضي فضاءات منتجة للعلم والعلماء، كما يُسقط أي تصور يحاول فصل الانتماء الأمازيغي الزواوي عن العلوم الشرعية والحضارة الإسلامية، فالرجل ابن مشداللة، أمازيغي الأصل، مالكي المذهب، ومشارك فعلي في الحركة العلمية الإسلامية الكبرى.
إن اختزال أبي الفضل في صفة واحدة، أو فصله عن مشداللة بحجة التقسيمات الإدارية الحديثة، قراءة مبتورة للتاريخ. فالنسبة المشدالية تثبت الأصل، والبجائية تحدد الحاضرة التي نشط فيها، والرحلة إلى مصر تكشف البعد العالمي لتكوينه.
أبو الفضل المشدالي هو ابن أرضه، وصنيعة بيئته، وفي الوقت نفسه عالم من علماء الأمة. جمع بين الجبل والحاضرة، بين المحلي والعالمي، وبين الأصالة والانفتاح، وهو بذلك جزء أصيل من الذاكرة التاريخية لأمشدالة، وبجاية، وزواوة، والمغرب الإسلامي ككل.
.jpg)
