ڨاسي جيلالي
أعاد الجدل الذي صاحب تداول فيديوهات ومقاطع تتحدث عن نقاشات داخل البرلمان الإسرائيلي حول ما يُسمّى «الدولة القبائلية» طرح سؤال جوهري يتجاوز الحدث ذاته، هل تتعامل إسرائيل فعلًا مع قضايا تقرير المصير كقيمة سياسية وأخلاقية، أم أنها توظفها كأداة ظرفية ضمن استراتيجية أوسع تقوم على تفكيك الدول وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية؟
هذا السؤال يكتسب بعدًا أعمق عند ربطه بخطوة إسرائيلية سابقة ومعلنة، تمثلت في الاعتراف بإقليم صومال لاند، واستقبال رئيسه في سياق دبلوماسي واضح، في وقت تواصل فيه إسرائيل احتلال أراضٍ في فلسطين وسوريا ولبنان، وترفض أي حديث جدي عن سيادة الشعوب الواقعة تحت سيطرتها المباشرة.
من المهم التمييز منذ البداية بين المناقشة السياسية والقرار السيادي، ما جرى تداوله بشأن «الدولة القبائلية» لا يتعدّى، وفق المعطيات المتوفرة، نقاشات أو مداخلات داخل أطر برلمانية أو إعلامية إسرائيلية، دون أن يرقى ذلك إلى سياسة رسمية أو اعتراف قانوني، غير أن خطورة الأمر لا تكمن في النقاش ذاته، بل في تضخيمه وتقديمه كدليل على دعم خارجي لمشاريع انفصالية، وهو ما يمنحها زخمًا دعائيًا لا تستحقه.
هذا الأسلوب ليس جديدًا؛ إذ غالبًا ما تُستعمل النقاشات الهامشية أو التصريحات الفردية لتغذية سرديات سياسية، سواء من قبل أطراف انفصالية تبحث عن شرعية خارجية، أو من قبل جهات تسعى إلى تأجيج التوترات الداخلية داخل الدول الوطنية.
في المقابل، يشكل اعتراف إسرائيل بـصومال لاند حالة مختلفة من حيث الشكل، لكنها متشابهة من حيث الجوهر, فالإقليم أعلن انفصاله عن الصومال منذ 1991، ورغم غياب الاعتراف الدولي الواسع، اختارت إسرائيل كسر هذا الإجماع، مقدّمة خطوة دبلوماسية ذات أبعاد استراتيجية واضحة.
هذا الاعتراف لا يمكن فصله عن الموقع الجغرافي الحساس للإقليم قرب باب المندب , و الصراع الدولي على النفوذ في القرن الإفريقي مع سعي إسرائيل إلى توسيع حضورها خارج محيطها العربي التقليدي ، بمعنى آخر، لم يكن الاعتراف بصومال لاند انتصارًا مبدئيًا لحق تقرير المصير، بل قرارًا براغماتيًا يخدم مصالح أمنية وجيوسياسية محددة.
التناقض الصارخ يظهر عند مقارنة هذا الاعتراف بموقف إسرائيل من القضايا التي تمسّها مباشرة فهي ترفض قيام دولة فلسطينية رغم الإجماع الدولي و تشرعن الاستيطان وضم الأراضي بالقوة كما تعتبر الجولان السوري أرضًا إسرائيلية هذا كله و تتعامل مع مزارع شبعا كمنطقة نزاع مفتوح لا كأرض محتلة، هنا يتضح أن المبدأ ليس تقرير المصير، بل المصلحة،ذ فالانفصال مقبول عندما يُضعف دولًا أخرى أو يخلق وقائع سياسية جديدة بعيدة، لكنه مرفوض عندما يهدد المشروع الإسرائيلي أو يفرض عليه التزامات قانونية.
الدولة القبائلية المزعومة: من مطلب ثقافي إلى أداة سياسية في هذا الإطار، يُعاد توظيف الخصوصية الثقافية واللغوية لمنطقة القبائل في خطاب سياسي يتجاوز مطالب الاعتراف الثقافي واللغوي المشروعة، ليدخل في مشروع انفصالي معزول عن واقعه الاجتماعي والتاريخي، الأخطر أن هذا الخطاب يُقدَّم أحيانًا على أنه يحظى بدعم دولي، عبر ربطه زورًا أو تضخيمًا بنقاشات خارجية، كالنقاشات الإسرائيلية ، والواقع أن أغلبية سكان منطقة القبائل يرفضون الطرح الانفصالي و مطالبهم الأساسية تاريخيًا كانت تتعلق بالهوية واللغة والحقوق داخل الدولة، أي محاولة لتدويل القضية تُضعفها ولا تخدمها تحويل القضية إلى ورقة في صراعات دولية لا يعني نصرتها، بل تفريغها من مضمونها الحقيقي.
عند الربط بين صومال لاند و«الدولة القبائلية المزعومة»، يظهر خيط ناظم واحد، استغلال قضايا الانقسام لإعادة رسم موازين القوى، فإسرائيل، كما قوى أخرى، تدرك أن الدول المفككة أقل قدرة على المواجهة، وأكثر قابلية للاختراق السياسي والاقتصادي.
لكن الفرق أن إسرائيل تمارس هذا المنطق خارجيًا، بينما ترفضه داخليًا أو في محيطها المباشر، ما يجعل خطابها حول الديمقراطية وحقوق الشعوب فاقدًا للمصداقية.
ليست كل دعوة للانفصال تعبيرًا عن مظلومية حقيقية، وليست كل دعوة لتقرير المصير موقفًا أخلاقيًا، بين الدولة القبائلية المزعومة وصومال لاند، تتجلى حقيقة واحدة، حين تتحول الهويات إلى أدوات، تُختزل القضايا العادلة، ويُستبدل النضال الحقوقي بلعبة مصالح.
وفي عالم تحكمه موازين القوة، يبقى الوعي السياسي هو السلاح الأهم لمواجهة التوظيف الخارجي للقضايا الداخلية، مهما تغيّرت الشعارات وتبدّلت الواجهات.
.jpg)
