![]() |
| محند شريف ساحلي |
لم يكن محند شريف ساحلي مجرد اسم في سجل الدبلوماسية الجزائرية، ولا مجرد مؤرخ يكتب عن الماضي من مسافة آمنة، بل كان عقلًا اشتغل في قلب المعركة، وجعل من الفكر سلاحًا ومن التاريخ جبهة مقاومة، وُلد في السادس من أكتوبر سنة 1906 بقرية تاسگا أوفلا، من عرش آث أوغليس التاريخي بمنطقة القبائل، في زمن كانت فيه الجزائر تُقدَّم للعالم على أنها أرض بلا ذاكرة، وهو الادعاء الذي سيقضي ساحلي عمره كله في تفكيكه ونقضه.
تلقى تعليمه الثانوي بثانوية بيجو بالعاصمة، قبل أن يشدّ الرحال إلى باريس، حيث التحق بمدرسة الأساتذة العليا، ونال شهادة التبريز في الفلسفة، في إنجاز نادر لجزائري في سياق استعماري قائم على الإقصاء الممنهج، غير أن تميّزه الحقيقي لم يكن في التحصيل الأكاديمي فحسب، بل في قدرته على تطويع المنهج الفلسفي الغربي ذاته للرد على المدرسة الاستعمارية من داخل أدواتها، وهو ما جعله يُلقّب لاحقًا بـ«فيلسوف الثورة» ومؤرخها.
في الأربعينيات، خاض ساحلي معركة فكرية شرسة ضد أطروحات المؤرخين الفرنسيين الذين زعموا أن الجزائر «صنيعة فرنسية» وأن تاريخها يبدأ سنة 1830، فجاء كتابه الشهير «الجزائر المتهمة» سنة 1946 بمثابة قنبلة فكرية، قدّم فيها أول رد فلسفي وتاريخي منظم على الإيديولوجيا الاستعمارية، معلنًا بوضوح أن الجزائر ليست ابنة الاحتلال، بل أمة ذات جذور تاريخية عميقة، ومنذ ذلك الحين، تحوّل التاريخ عنده من مجرد سرد للأحداث إلى سلاح مقاومة، ومجال لتصفية الاستعمار الثقافي قبل السياسي.
![]() |
| نسخة من الكتاب الجزائر متهمة |
بالتوازي مع عمله الفكري، لعب محند شريف ساحلي دورًا محوريًا في تأطير الجالية الجزائرية بفرنسا، حيث كان المحرك الأساسي لودادية الجزائريين في فرنسا، لم يرد لها أن تكون إطارًا نقابيًا محدود الأفق، بل منصة فكرية وإعلامية تخاطب النخب الأوروبية وتشرح عدالة القضية الجزائرية بلغة عقلانية وإنسانية، ومن رحم هذا العمل، تهيأت الأرضية لظهور فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا، ولنشوء شبكات دعم أوروبية متعاطفة مع الثورة الجزائرية.
ومع اندلاع ثورة نوفمبر، برز ساحلي كأحد أقلامها اللامعة في الخارج، ضمن وفد جبهة التحرير الوطني ثم الحكومة المؤقتة، تنقل بين العواصم، وصاغ مذكرات سياسية وقانونية قُدمت إلى المحافل الدولية، خاصة هيئة الأمم المتحدة، وبفضل تكوينه الفلسفي والقانوني، نجح في تفنيد الدعاية الفرنسية التي كانت تصف الثوار بـ«الخارجين عن القانون»، وأثبت أن الثورة الجزائرية فعل سياسي وقانوني ناضج، يستند إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها.
في آسيا، كان لمحند شريف ساحلي دور ريادي في كسر العزلة عن الثورة الجزائرية، فقد أسهم في إرساء العلاقات الأولى مع فيتنام الشمالية والصين، والتقى بقادة كبار مثل هوشي منه والجنرال جياب، ناقلًا خبرات حرب التحرير، وفي الوقت نفسه مروّجًا للفلسفة الثورية الجزائرية كنموذج يُحتذى، وهكذا تحولت الجزائر، بفضل أمثاله، من قضية محلية إلى رمز عالمي لحركات التحرر.
![]() |
| محند شريف ساحلي مع الرئيس الصيني |
بعد الاستقلال، واصل ساحلي خدمة بلاده من مواقع دبلوماسية رفيعة، فكان من أوائل «سفراء النخبة» الذين مثّلوا الجزائر المستقلة في فيتنام، ثم في الاتحاد السوفيتي سنة 1966، ولاحقًا في تشيكوسلوفاكيا، حيث ركز على البعد الثقافي والفكري للتعاون، مؤمنًا بأن السيادة لا تُبنى بالسياسة وحدها، بل بالمعرفة والوعي.
وعندما ابتعد عن العمل الدبلوماسي، تفرغ للبحث والكتابة، معتبرًا أن معركة الذاكرة لا تقل أهمية عن معركة التحرير، في دراسته حول يوغرطة، ربط مقاومة الجزائريين للاستعمار الفرنسي بجذور تاريخية تمتد إلى مقاومة الإمبراطورية الرومانية، داحضًا الادعاء القائل بأن فرنسا وريثة روما في شمال إفريقيا، أما في كتابه عن الأمير عبد القادر، فقد أبرز البعد الإنساني والأخلاقي للنضال الجزائري، مميزًا بين مواجهة النظام الاستعماري واحترام الشعوب، وهو المبدأ الذي تبنته الثورة لاحقًا في مواثيقها.
عُرف محند شريف ساحلي بزُهده ورصانته العلمية وترفعه عن الصراعات السياسية الضيقة، فكان أشبه بـ«حكيم الثورة» ومرجعيتها الفكرية. رحل عن عالمنا في الرابع من جويلية 1989، عشية الاحتفال بذكرى الاستقلال، وكأن حياته اختارت أن تُختتم عند تخوم المعنى الذي أفنى عمره في الدفاع عنه: جزائر حرة، واعية بتاريخها، تكتب ذاكرتها بأقلام أبنائها.
.jpg)




