شرفة ميديا
في الآونة الأخيرة، شهدت منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها موقع فايسبوك، تصاعدًا ملحوظًا لخطاب تخويني يستهدف المجاهد والسياسي الراحل حسين آيت أحمد، حيث جرى نعته بشتى الأوصاف، من “المتمرد” إلى “الخائن”، بل وصل الأمر إلى اتهامه برفع السلاح ضد الدولة والتشكيك في وطنيته ومساره النضالي, هذا الخطاب، الذي يُروَّج في منشورات وتعليقات تفتقر في الغالب إلى الحدّ الأدنى من المعرفة التاريخية، لا يعكس نقاشًا علميًا بقدر ما يكشف أزمة عميقة في التعامل مع الذاكرة الوطنية.
إن معالجة هذا الموضوع اليوم لا تأتي دفاعًا أعمى عن شخص، ولا تبريرًا لكل خياراته السياسية، بل استجابةً لانتشار سرديات سطحية ومشوِّهة للتاريخ، تحوّل الخلاف السياسي إلى خيانة، وتختزل مرحلة معقّدة من تاريخ الجزائر في أحكام أخلاقية جاهزة, ومن هذا المنطلق، تفرض المقارنة بين حسين آيت أحمد وهواري بومدين نفسها، ليس من باب المفاضلة بين الرجال، بل لفهم كيف يُدان الفعل ذاته حين يصدر عن معارض، ويُشرعن ويُمجَّد حين يصدر عن من انتصر وامتلك السلطة.
من المفارقات الكبرى في التاريخ السياسي الجزائري بعد الاستقلال، أن يُتهم حسين آيت أحمد بالتمرد ورفع السلاح ضد الدولة، بينما يُمجَّد هواري بومدين بوصفه رجل الدولة القوي، رغم أن كليهما واجه سلطة أحمد بن بلة بالقوة, هذا التناقض يطرح سؤالًا جوهريًا: هل المشكلة في الفعل ذاته، أم في موقع الفاعل من السلطة؟
بعد الاستقلال، دخلت الجزائر مرحلة حاسمة اتسمت بصراع حول طبيعة الدولة: هل هي دولة حزب واحد وشرعية ثورية مغلقة، أم دولة مؤسسات وتعددية سياسية؟ في هذا السياق، اختار حسين آيت أحمد طريق المعارضة العلنية، ورفض منطق احتكار السلطة باسم الثورة, تأسيسه لجبهة القوى الاشتراكية سنة 1963، ثم لجوؤه إلى العمل المسلح في بعض المناطق، جاء كرد فعل على إقصاء سياسي ممنهج، لا كمشروع للاستيلاء على الحكم، بل كضغط من أجل تغيير قواعد اللعبة السياسية.
في المقابل، قام هواري بومدين سنة 1965 بانقلاب عسكري أطاح بالرئيس أحمد بن بلة، وهو انقلاب كامل الأركان، جرى من داخل النظام وبأدوات الدولة نفسها, ومع ذلك، لم يُوصَف فعله بالتمرد، بل سُمّي رسميًا “تصحيحًا ثوريًا”، وأُدرج لاحقًا في سردية الدولة باعتباره ضرورة تاريخية أنقذت البلاد من الفوضى.
الفرق هنا لا يكمن في استخدام القوة، بل في النتيجة والخطاب, بومدين نجح في الاستيلاء على السلطة وبناء نظام قوي ومركزي، فامتلك أدوات كتابة التاريخ وصناعة الذاكرة الرسمية, أما آيت أحمد، فخسر المعركة السياسية والعسكرية، فحُشِر في خانة “المتمرد” و“الخارج عن الشرعية”.
الأهم من ذلك أن مشروع الرجلين كان مختلفًا جذريًا. بومدين لم يعارض منطق الدولة السلطوية، بل عمّقه، واعتبر الاستقرار أولوية على التعددية, أما آيت أحمد، فكان نقده موجّهًا إلى طبيعة النظام نفسه، مطالبًا بدولة قانون، وفصل سلطات، وتعدد سياسي. وهذا النوع من المعارضة يُعد، في نظر الأنظمة، أخطر من أي انقلاب عسكري.
كما لا يمكن تجاهل العامل الجهوي والرمزي في تشكّل الوعي الشعبي, معارضة آيت أحمد صُوّرت – ظلمًا – كحركة جهوية، رغم أن خطابها كان وطنيًا شاملًا، بينما قُدِّم انقلاب بومدين كفعل “وطني جامع”، لأن الدولة تبنّته وروّجت له.
في النهاية، ليست القضية من رفع السلاح ومن لم يرفعه، بل من خدم استمرارية السلطة ومن شكك في شرعيتها. فالدولة تميل إلى تمجيد من يحكم باسمها، وتخوين من يعارضها باسم الشعب، حتى لو كان هذا المعارض أحد صُنّاع الاستقلال.
إن قراءة منصفة للتاريخ تقتضي الاعتراف بأن آيت أحمد وبومدين كلاهما جزء من تاريخ الجزائر، بأخطائهما وخياراتهما، لكن اختزال الأول في “متمرد” وتقديس الثاني كـ“منقذ” ليس تاريخًا… بل ذاكرة رسمية انتقائية.
.jpg)
