![]() |
| الوزير السابق ياسين وليد |
بقلم: شرفة_ميديا
تُشكل ظاهرة "الانقلاب التحريري" السريع لبعض الصفحات الرقمية إثر كل تغيير حكومي أو تعديل إداري، مادة دسمة للتأمل في مستوى الاحترافية والنزاهة التي وصل إليها جزء غير يسير من الفضاء الأزرق في الجزائر، صفحات يتابعها الملايين تُصنف شعبيًا بـ "الصفحات الياجورية"، لا لشيء إلا لأنها تبني جدران شبيحتها الإعلامية بالطلب، وتغير وجهتها وسلوكها في غضون ثوانٍ معدودة.
ولعلّ التباين الصارخ الذي تداوله متابعون مؤخراً بشأن التعاطي الإعلامي مع التعديل الحكومي الأخير الذي أقره رئيس الجمهورية—والذي شمل إنهاء مهام أربعة وزراء—يمثل عينة معبرة؛ حيث صبّت أغلبية هذه الصفحات جلّ تركيزها الانتقائي على اسم الوزير الشاب السابق، ياسين وليد، لاستغلال رمزيته الشبكية وحصد أعلى نسب من التفاعل (Buzz).
طيلة فترة توليه الحقيبة الوزارية، أفردت تلك الصفحات مساحات واسعة للتغني بإنجازات القطاع، مرصعة منشوراتها بلغة التفخيم والمبالغة؛ من قبيل "ابن معسكر البار"، "الكفاءة الوطنية"، و"مهندس الرقمنة"، كانت المنشورات تسوق الأرقام بحماس يرتدي لباس الحرص الوطني، لكنه في جوهره لم يكن سوى مجاملة وقتية مرتهنة بوجود الشخص في منصبه.
لكن بمجرد صدور قرار التعديل الحكومي، انقلبت السائبة التحريرية رأساً على عقب، اختفت ألقاب الكفاءة، وتبخرت عبارات الإشادة، ولجأت تلك الصفحات إلى أسلوب النزول المباشر والتخلي السريع، مستخدمة عبارات تقليلية وكأن سنوات التسيير قد مُحيت بقرار رسمي.
ولم تتوقف هذه الصفحات عند حدود الانقلاب اللفظي، بل عمدت بأسلوب مكشوف إلى إخراج أرشيف تصريحات قديمة للوزير الشاب قبل استزاره (من مقاطع مقابلة سابقة عبر قناة Beur TV) كان ينتقد فيها الوضع والاقتصاد الرقمي، وهنا يطرح المتابع الفطن أسئلة جوهرية تتصل بأخلاقيات المهنة:
لماذا غاب هذا الأرشيف طيلة فترة استزاره وممارسته لمهامه الرسمية؟
لماذا اختفت تلك مقاطع "النقد" طيلة سنوات التزليف والمديح المفرط، لتظهر فجأة وفي نفس الساعـة التي غادر فيها المسؤول كرسي الوزارة؟
إن إعادة تدوير الأرشيف بتناقض صارخ في هذا التوقيت بالذات لا يعكس حرصاً على مكافحة التسيير الفاشل بقدر ما يعكس نية مبيّتة للإسقاط والتشفي وإعادة تسويق التفاعل، ما يُسقط ورقة التوت عن شرف الممارسة الإعلامية لهذه المنصات.
أمام هذا المشهد المتكرر، تبرز نصيحة ذهبية ومباشرة لجميع المسؤولين والمسيرين في مختلف أجهزة الدولة: إياكم والغفلة أو الاغترار بدعم هذه الصفحات وتزليفها خلال مشواركم التنفيذي.
إن هذه المنصات التي تخصص أوقاتها اليوم للتهليل لك ورسم صورة إنجازاتك وردية على مواقع التواصل، هي نفسها الصفحات التي ستكون في الصفوف الأولى للتشفي بك، وتصيّد أرشيفك القديم، ومحاولة إهانتك في اليوم التالي لسحب المسؤولية منك.
إن الاستثمار في "الصورة الافتراضية المزيفة" لا يصنع تاريخاً، بل إن الأثر الميداني والمشاريع الحقيقية النزيهة المستدامة التي يستفيد منها المواطن هي السند الوحيد والدرع الحقيقي لأي مسؤول بعد مغادرة الكرسي.
إن الإعلام الحقيقي، الإعلام التنموي الذي ينطلق من انشغالات المواطن وخدمة المصلحة العامة، لا يُقدس الأشخاص في مناصبهم، ولا يتنكر لمجهوداتهم فور مغادرتهم، الممارسة الصحفية النزيهة تُقيم الأرقام، الاستمرارية، والأثر الميداني للمشاريع بعيداً عن التزليف أو التشهير.
لقد أصبح المواطن الجزائري اليوم أكثر وعياً بهذه الأساليب الانتهازية، وأكثر قدرة على التمييز بين المنصات الإعلامية الجادة التي تحمل رسالة تنموية ثابتة، وبين صفحات "الطلب والتوجيه" التي تسقط أقنعتها مع كل بيان رسمي.
#شرفة_ميديا #الإعلام_الرقمي #المصداقية_الإعلامية #الجزائر #نقد_إعلامي #البويرة #Bouira
.jpg)
