![]() |
قراءة في السلوك الجمعي، رهانات الشباب الحقيقية، والتناقض بين الخطاب الديني والممارسة الواقعية
بقلم / جيلالي ڤاسي
تشهد الساحة الفكرية والمجتمعية في الجزائر من حين لآخر نقاشات حادة وسجالات عقيمة حول قضايا الهية والحريات الفردية ولباس المرأة، وهي نقاشات غالباً ما تكشف عن فجوة عميقة في الوعي القانوني والسياسي لدى فئات واسعة من المجتمع.
فالمشكلة الأساسية لا تكمن في تباين الآراء، بل في جهل البعض بـ طبيعة الدولة الجزائرية ومبادئها الدستورية، ومحاولة فرض منطق شعبي وصائي يحل محل دولة القانون والمؤسسات.
يرى كثير من المتابعين للشأن السياسي والقانوني أن جانباً كبيراً من هذا اللبس يعود إلى خلطٍ صريح بين النص الدستوري القائل بأن "الإسلام دين الدولة" – وهو النص المكرس للهوية الوطنية والجامعة التاريخية للجزائر تحت إشراف وتأطير ومؤسسات الدولة – وبين المنظومة التشريعية والقانونية التي تسير الحياة اليومية للمواطنين.
الدولة والتشريع: إن أكثر من 99% من القوانين المنظمة للطب، التجارة، العقار، والإدارة هي قوانين وضعية صاغتها السلطة التشريعية لتنظيم شؤون الناس وضمان الحد الأدنى من التعايش.
التعددية السياسية: يكفل الدستور الجزائري التعددية الحزبية والفكرية وتواجد مختلف التيارات السياسية، في حين يمنع منعاً باتاً تأسيس أحزاب على أساس ديني أو عرقي محاط بالاستغلال.
احتكار سلطة النهي: إن مفهوم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" في دولة القانون لا يمنح أي طرف أو فرد سلطة التعدي أو الوصاية على الآخرين، بل يندرج ضمن حدود حرة التعبير وتداول الآراء. وأي تجاوز للحدود القانونية يقع صاحبه تحت طائلة المساءلة والردع الزجري.
ويظهر هذا التناقض بوضوح عندما تتفاجأ هذه الفئات بالقرارات السيادية للدولة، كممارسة المرأة لأعلى الرتب العسكرية والقيادية (كالجنرالات أو رئاسة المجلس الشعبي الوطني)، أو استقبال كبار القيادات الدينية العالمية؛ حيث تتجلى الدولة بمنطق الحداثة والمصلحة الوطنية العليا لا بمنطق الفكر الموازي.
وعند التأمل في واقع السلوك الاجتماعي، تنكشف مفارقة عجيبة بين الشعار المرفوع والممارسة الفعلية. ففي الوقت الذي تتعالى فيه الأصوات المطالبة بفرض النمط الاجتماعي السلوكي المعين، تُظهر المعطيات الميدانية مظاهر تناقض صارخة:
الواقع الميداني المشهود: بالنظر إلى المشهد العام، يلاحظ المتابع للمجتمع زيادة ملحوظة في مظاهر التدين الظاهري والالتزام باللباس المحتشم عبر معظم مدن وبلديات الوطن، حيث يتعين على الشخص قطع مسافات شاسعة بالسيارة ليرى مظاهر خروج عن المألوف، مما يجعل الإصرار على تضخيم ملف "لباس المرأة" مجرد هروب من النقاشات الجوهرية.
سلوك الاستهلاك والخيارات الحياتية: تُظهر الخيارات اليومية للشباب والعلائلات البحث عن رفاهية الحياة والجودة؛ حيث ينفق المواطنون مبالغ طائلة للحصول على تأشيرات السفر نحو الدول الغربية لتأمين مستقبل أفضل أو السياحة، بينما يقل الإقبال على بلدان أخرى برغم الاعتبارات الهوية.
إن الاختزال المستمر لقضايا الأمة والمجتمع في مظاهر شكلية ينم عن قصر نظر أو هروب من التحديات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى. فالشباب الجزائري اليوم يقف أمام تطلعات مشروعة ورهانات مصيرية تتمثل في:
الحصول على فرص عمل لائقة ومستقرة.
توفير الإمكانيات لتأسيس أسرة وبناء مستقبل.
التطلع لتطوير التعليم والمنافسة في الأسواق العالمية.
المطالبة بالحوكمة وتطوير الخدمات العمومية والبنية التحتية.
إن بناء مجتمع متماسك يتطلب الانتقال من ثقافة الوصاية والافتراضات إلى ثقافة التعايش واحترام سيادة القانون. فالدولة الوطنية القوية هي التي تحمي الحريات وتضمن في الوقت ذاته التوازن والاستقرار، وتتعامل بصرامة مع أي تطاول على منطق المؤسسات، ليبقى الرهان الأكبر هو بناء الإنسان وتأهيله لمواجهة تحديات العصر.
تحليل ومواكبة الشؤون الفكرية والسياسية: قسم الآراء – منصة شرفة ميديا
.jpg)
