![]() |
| موسى نايت أعمارة |
بقلم: موسى نايت أعمارة
يعد الانتقال بالجماعات المحلية من وضع "الملحقة الإدارية" للسلطة المركزية إلى مرتبة "الكيان السياسي المحلي" ضرورة ملحة، فمنذ الاستقلال، اعتمد النظام الجزائري منظومة دستورية حجبت الصلاحيات السياسية عن الجماعات المحلية، وأناطت بها وظائف إدارية ضمن إطار مركزي موحد، متجاهلة التعدد الجغرافي والثقافي العميق الذي يميز البلاد.
الإرث اليعقوبي واختزال "الواقع الجهوي"
إن هذا التوجه المركزي المنبثق من الإرث اليعقوبي الفرنسي لا يتماشى مع طبيعة المجتمع الجزائري، وقد أدى ذلك إلى كبح "الواقع الجهوي" بشكل اعتباطي، حيث تم اختزاله عمداً في تهمة "الجهوية الانفصالية"، ولا تزال السلطات المتعاقبة تُروِّج لمفهوم "الجهة" بوصفه تهديداً للوحدة الوطنية واستقرار الدولة، مما أدى إلى تغييب الدور الحقيقي للخصوصيات الجهوية.
نقد البنية المؤسساتية الحالية: الولاية والبلدية كأذرع للسلطة
تُعد الولايات في صيغتها الحالية مجرد امتداد إداري للسلطة المركزية، ولا تستجيب للرهانات الحقيقية التي تفرضها الخصوصيات المحلية؛ بل إنها تساهم في كثير من الأحيان في إقصاء التعبيرات المحلية المميزة، فالهيئات الولائية والبلدية الحالية لا تمتلك سلطة جهوية ذاتية، بل تعمل كأذرع لحماية مصالح السلطة المركزية محلياً، في حين أن جوهر العمل الديمقراطي يقتضي العكس: أي أن تُمثل هذه الهيئات المصالح الجهوية وتدعمها ضمن مؤسسات الدولة الوطنية.
"الجهوانة" كأفق ديمقراطي لإدارة التعدد
إن "الجهوانة" – بمنظورها الديمقراطي – تفتح الباب لنشوء كيانات منبثقة من إرادة المواطنين، تأخذ بعين الاعتبار خصائصهم وهويتهم الثقافية والاجتماعية. هذا التوجه يمنح هذه الكيانات شرعية حقيقية تجعلها قادرة على العمل بانسجام مع الدولة الوطنية ومكونات المجتمع المدني.
نحو نظام سياسي يعترف بالواقع السوسيولوجي
لا ينبغي تغييب الواقع السوسيولوجي المتعدد للمجتمع الجزائري؛ بل المطلوب من النخبة السياسية والفكرية تبلور نظام سياسي يعترف بهذا التعدد ويديره بحكمة، إن القاعدة الأساسية في الحكم هي أن الشعوب لا تُطوَّع لتلائم الأنظمة، بل يُفترض أن تُبنى الأنظمة السياسية وفقاً لما يفرضه واقع المجتمع وتعدديته.
.jpg)
