بقلم ڨاسي جيلالي
يُعدّ عليان حميمي (Aliane Hamimi) من الشخصيات السياسية الجزائرية التي لعبت أدوارًا مهمّة في مسار الحركة الوطنية قبل اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954، ثم خلال حرب التحرير، وبعد الاستقلال, غير أن اسمه ظلّ غائبًا إلى حدّ كبير عن التوثيق الرسمي، خاصة فيما يتعلق بظروف نهاية حياته التي بقيت محل تساؤل حتى اليوم.
تشير مصادر أكاديمية ووثائق تاريخية إلى أن عليان حميمي كان منخرطًا في النشاط السياسي قبل الثورة، وشارك في العمل الحزبي والتنظيمي في بداية الخمسينيات, وقد ورد اسمه ضمن المشاركين في مؤتمر حزبي انعقد بالجزائر في أفريل 1953، كما تولّى، إلى جانب كل من رابيا، صادق قاسي، وأكلي عليلي، قيادة كَسْمة محلية حتى اندلاع العمل المسلح في 1 نوفمبر 1954 (وفق مقالات منشورة على منصة Cairn), يضع هذا المعطى عليان حميمي ضمن الجيل السياسي الذي سبق الثورة المسلحة وأسهم في تهيئة الأرضية التنظيمية لها.
في جويلية 1955، التحق رسميًا بجبهة التحرير الوطني، في مرحلة اتسمت بتصاعد العمل الثوري وتوسّع شبكات الدعم السياسي واللوجستي, وظهر اسمه لاحقًا في وثائق ومحاضر محاكمات استعمارية بفرنسا، حيث أشار محاميه، الأستاذ أوسديك، إلى أنه لا يتقن اللغة الفرنسية ويتحدث العربية الفصحى والقبائلية، ما استدعى حضور مترجمين أثناء جلسات المحاكمة, وتُعد هذه الوثائق دليلًا على كونه من بين المناضلين الذين استهدفتهم المتابعات القضائية بسبب نشاطهم السياسي الداعم للثورة.
كما ورد اسمه في محاكمة شبكة جانسون الشهيرة سنة 1960 بباريس، حيث جرى استجوابه إلى جانب عدد من المناضلين، من بينهم حداد حمادة، أولد يونس، حنون سعيد، ودكسي علاوة، ضمن قضية تتعلق بدعم جبهة التحرير الوطني سياسيًا وماليًا داخل فرنسا، ويعكس هذا الحضور موقعه داخل الشبكات السياسية التي واكبت الثورة خارج الوطن.
بعد الاستقلال، واصل عليان حميمي نشاطه السياسي، إلى أن انتُخب نائبًا في المجلس الشعبي الوطني عن ولاية البويرة رفقة رابح بيطاط خلال العهدة البرلمانية 1977–1982، وفق ما ورد في المرسوم الحكومي رقم 77-73. وتجمع شهادات شفوية متقاطعة على أنه كان نائبًا قريبًا من المواطنين، اعتاد العودة بانتظام إلى منطقته، وبالخصوص إلى مدينة مشدالة (Maillot)، حيث كان يلتقي السكان في مقهى سي واعلي ليستمع إلى انشغالاتهم ويسعى للتدخل لفائدتهم، وهو ما رسّخ صورته كنائب ميداني مرتبط بالناس لا بالمؤسسات فقط.
تشير الشهادات إلى أن المرحلة الأخيرة من حياته اتسمت بالتوتر والقلق، حيث شعر بأنه مهدد وصرّح مرارًا لأقاربه ووالدته بأن أيامه معدودة, وتروي إحدى الشهادات أحداثًا وقعت عشية الانتخابات التشريعية، إذ عاد إلى منزله مرهقًا وطلب مراقبة أي حركة غير عادية حول المنزل, لاحقًا وصلت سيارة تقل مسؤولين سياسيين، وغادر عليان حميمي المنزل في ظروف غير معتادة, وتصف نفس الشهادة ليلة مليئة بالحركات المشبوهة حول المنزل، بالإضافة إلى حادث خطير على طريق بويرة، حيث كان من المفترض أن يكون موكبه هدفًا لمحاولة اعتراض مسلحين, بعد ذلك، أخبر عليان حميمي والدته وأقاربه مرارًا أنه يشعر بالخطر وأن أيامه معدودة.
تفيد شهادات أخرى أن وفاته جاءت نتيجة حادث مرور وُصف بالمريب، وأنه كان بحسب مقربيه يزعج شخصيات نافذة بسبب مواقفه واستقامته وقربه من المواطنين, وقد توفي عليان حميمي في جانفي 1979، أي أثناء عهدته البرلمانية، دون صدور بيانات رسمية مفصلة حول ظروف وفاته أو فتح تحقيق علني بشأنها، ما عمّق الغموض الذي يلف نهايته.
في الذاكرة الشعبية، يُنظر إلى عليان حميمي باعتباره مناضلًا صادقًا وبطلًا متواضعًا، يعتقد كثيرون أنه دفع ثمن معرفته العميقة بمسارات الثورة وسقط ضحية تصفية غير معلنة خوفًا من كشف أسرار تتعلق بمسارها, ورغم الطابع الوجداني لهذه الروايات، فإنها تعكس شعورًا عامًا بالغموض المحيط بحياته ونهاية مساره، وتطرح أسئلة مشروعة حول مكانته في التاريخ الوطني.
إن إعادة فتح ملف عليان حميمي لا تهدف إلى إطلاق اتهامات أو الجزم باستنتاجات نهائية، بقدر ما تسعى إلى إعادة الاعتبار لمسار رجل جمع بين النضال السياسي قبل الثورة، والملاحقة خلال حرب التحرير، والعمل البرلماني بعد الاستقلال، قبل أن تنتهي حياته في ظروف ظلت، إلى اليوم، غير واضحة فالتاريخ لا يُكتب فقط بما كُشف عنه، بل أيضًا بما ظلّ مسكوتًا عنه لعقود.
جميع المعلومات الواردة في هذا المقال مستندة إلى شهادات شفوية، وثائق تاريخية، وأبحاث أكاديمية متاحة. يسعى المقال إلى تقديم نظرة توثيقية وتحليلية لمسار عليان حميمي، لكنه لا يُعتبر حكمًا قضائيًا أو تأكيدًا مطلقًا للحقائق التاريخية. الموقع لا يتحمل أي مسؤولية عن صحة المعلومات الواردة، ويترك للقارئ الحرية في التقييم والتحقق من المصادر الأصلية.
.jpg)
