في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الفضاء الرقمي، لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتعبير الحر أو تبادل الآراء، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات تأثير وتوجيه، تُستعمل لصناعة صورة معيّنة عن أشخاص أو قضايا، خارج منطق التوازن والتحقق, من بين أبرز الظواهر التي باتت تفرض نفسها بقوة، انتشار منشور واحد أو مضمون واحد عبر عدة صفحات مختلفة، بنفس الصيغة تقريبًا، وغالبًا في سياق سلبي، مع تسجيل أرقام تفاعل مرتفعة بشكل يثير الشك أكثر مما يبعث على التصديق.
المتابع الجيد يلاحظ أن هذه المنشورات لا تظهر بشكل عفوي، بل تُنشر في توقيت متقارب، وبنصوص متطابقة أحيانًا حدّ التطابق الحرفي، بما في ذلك العبارات نفسها أو حتى الأخطاء اللغوية, هذا المعطى وحده كافٍ لطرح تساؤل جوهري: هل نحن أمام اهتمام شعبي حقيقي، أم أمام عملية إعادة تدوير ممنهجة لمحتوى واحد عبر واجهات متعددة؟
اللافت أكثر هو التناقض الصارخ بين حجم التفاعل الظاهر وعدد متابعي الصفحات الناشرة, صفحات لا يتجاوز عدد متابعيها بضع مئات، تنجح فجأة في حصد آلاف الإعجابات والتعليقات والمشاركات خلال فترة قصيرة, من الناحية الرقمية، يصعب تبرير هذا الأمر دون افتراض وجود دعم خارجي، سواء عبر شبكات تفاعل منظمة، أو حسابات وهمية، أو تفاعلات مدفوعة الغرض منها تضخيم المحتوى ودفعه إلى واجهة المنصات.
تعتمد هذه الآليات أساسًا على استغلال خوارزميات مواقع التواصل، التي تمنح أولوية للمحتوى الذي يعرف تفاعلًا سريعًا ومكثفًا, وبمجرد بلوغ المنشور مستوى معينًا من التفاعل، تبدأ المنصة تلقائيًا في توسيع دائرة انتشاره ليصل إلى مستخدمين خارج نطاق الصفحات الأصلية, وهنا يتحقق الهدف الأساسي: خلق انطباع عام بأن الموضوع محل إجماع واسع، وأن الخطاب السلبي المطروح يعكس رأيًا عامًا حقيقيًا.
غالبًا ما يكون المحتوى المستهدف موجّهًا بدقة, الشخصيات أو الجهات التي تقع في دائرة هذا النوع من الحملات تكون عادة فاعلة، أو مثيرة للجدل، أو مزعجة لبعض الأطراف, ويتم اختيار الصيغة السلبية لأنها الأسرع في إثارة ردود الفعل، سواء كانت غضبًا أو سخرية أو تشكيكًا, المفارقة أن كثيرًا من المستخدمين، حتى وهم يرفضون مضمون المنشور، يساهمون دون قصد في انتشاره عبر التعليق أو المشاركة، ما يعزز قوته الخوارزمية بدل الحدّ منها.
خطورة هذه الظاهرة لا تتوقف عند حدود التشويه الآني، بل تمتد إلى التأثير على وعي الجمهور بشكل تراكمي, تكرار الرسالة نفسها عبر صفحات متعددة، مرفقة بأرقام تفاعل مرتفعة، يصنع وهم الإجماع ويدفع المتلقي إلى التسليم بما يُعرض عليه دون تمحيص, ومع الوقت، تتآكل الثقة في المحتوى الرقمي عمومًا، ويصبح من الصعب التمييز بين الخبر الحقيقي والحملة المصطنعة.
في هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى وعي رقمي نقدي، لا يكتفي باستهلاك المحتوى بل يُخضعه للتحليل والمساءلة, مقارنة عدد التفاعلات بعدد المتابعين، البحث عن المصدر الأول للمعلومة، والانتباه إلى توقيت النشر المتزامن، كلها مؤشرات بسيطة لكنها كفيلة بكشف كثير من عمليات التضخيم الممنهج, كما يبقى دور الإعلام الجاد محوريًا في تفكيك هذه الظواهر، بدل الانجرار خلف منطق “الترند” السريع.
ما يحدث اليوم على منصات التواصل يؤكد أن الرأي العام الرقمي ليس دائمًا انعكاسًا صادقًا لنبض المجتمع، بل قد يكون نتاج عمليات منظمة تستغل الخوارزميات وسلوك المستخدمين., وبين واقع يُصنع بالنسخ واللصق، وحقيقة تحتاج إلى تحقق وتدقيق، تبقى المسؤولية مشتركة بين الإعلام والمتلقي في حماية الفضاء العام من التلاعب والتضليل.
.jpg)
