شرفة ميديا
منذ استقلال الجزائر، ظلت قضية الهوية الوطنية موضوعًا حساسًا، محفوفًا بالسياسات والقرارات التي حاولت في كثير من الأحيان فرض رؤية واحدة عن الشعب الواحد، اللغة الواحدة، والتاريخ الموحد، هذه الرغبة في الاختزال تشبه إلى حد بعيد منطق الحزب الواحد الذي سيطر على البلاد من أواخر الستينات حتى الثمانينات، حيث كان كل شيء يُمرّر عبر فلتر مركزي واحد، وكل اختلاف يُعتبر تهديدًا للنظام أو "انفصالًا عن الأمة".
اليوم، تتكرر ظاهرة مماثلة لكن بطريقة ثقافية ومعرفية، نجد من يحاولون اختزال الجزائر في سردية أحادية، في القول إن كل الجزائريين عرب، وأن كل الهوية الأمازيغية هي في النهاية جزء من هذا الاختزال، يُستشهد أحيانًا بمصادر استعمارية قديمة مثل ملشيور دوماس، الضابط الفرنسي، كـ"دليل تاريخي" على أن القبائل أصلها جرماني أو مسيحي سابق، وكأن هذه النصوص الموجهة لخدمة المشروع الاستعماري صارت اليوم أداة لتفكيك المجتمع الجزائري من الداخل.
المنطق هنا مضحك إذا ما نظرت إليه بعين نقدية، من جهة يُتهم الاستعمار الفرنسي بأنه زرع الانقسامات وفرق بين الشعب، ومن جهة أخرى يُستشهد به لإلغاء حقيقة جزء أصيل من السكان، هذا التناقض يكشف نفاقًا واضحًا، نفس أدوات الاستعمار التي كانت تهدف إلى التفريق بين الجزائريين تُستعمل اليوم لتكرار نفس المهمة على الصعيد الرمزي والفكري.
تمامًا كما في عهد الحزب الواحد، يظل "الأمر المركزي" هو ما يحدد هوية الشعب، بينما أي صوت مستقل أو أي اختلاف لغوي أو ثقافي يُنظر إليه بعين الريبة، في الستينات والسبعينات، كان الاختلاف السياسي أو الفكري يُقمع أو يُهضم؛ اليوم، يُقمع عبر خطاب معرفي، يُقال لك إن لغتك ليست لغتك، وأن تاريخك مُزوَّر، وأن اختلافك عن "الوحدة الوطنية" هو خطر على الجزائر.
لكن الفرق الكبير أن اليوم الجزائريون أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على نقد هذه الخطابات، الهوية الجزائرية ليست قابلة للاختزال، هي متعددة لغويًا وثقافيًا ودينيًا، والاعتراف بهذه الحقيقة لا يضعف الدولة، بل يقويها، محاولة فرض سردية واحدة دائمًا كانت تجربة فاشلة، سواء على مستوى السياسة أم على مستوى الثقافة, التاريخ علمنا أن كل محاولة لتجميع شعب كامل في قالب واحد تصطدم بالواقع، الواقع الذي يتجاوز حدود الخطابات والمذكرات والكتب القديمة، ويصنع الأمة في تنوعها.
الدرس واضح، الاختلاف ليس تهديدًا، ولا حاجة لإلغاء الهوية الأمازيغية أو أي هوية أخرى، منطق الحزب الواحد الذي حاول تحويل كل شيء إلى سردية واحدة اليوم يعاد بشكل مختلف، لكن الأدوات فقط تغيّرت، من القمع السياسي إلى القمع الرمزي والمعرفي، والجزائر، كما في كل مرة، تتحدى هذه المحاولات وتثبت أن قوتها في تنوعها، لا في homogenisation كما يحلم البعض.
في النهاية، أي محاولة لاختزال الجزائر في هوية واحدة ليست مجرد خطأ معرفي، بل تكرار لدرس تاريخي معروف، التحكم بالهوية عن طريق الإلغاء يؤدي دائمًا إلى مقاومة، والسردية الواحدة تنهار أمام الحقيقة المتعددة للشعب.
.jpg)
